صديق الحسيني القنوجي البخاري

397

فتح البيان في مقاصد القرآن

الكوكب والقمر ، وقيل أكبر جرما وضوءا ونفعا فسعة جرم الشمس مائة وعشرون سنة كما قاله الغزالي . فَلَمَّا أَفَلَتْ أي غابت الشمس وقويت عليهم الحجة ولم يرجعوا قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أي من الأشياء التي تجعلونها شركاء للّه وتعبدونها من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث ، قال بهذا لما ظهر له أن هذه الأشياء مخلوقة لا تنفع ولا تضر مستدلا على ذلك بأفولها الذي هو دليل حدوثها . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 79 إلى 80 ] إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ أي قصدت بعبادتي وتوحيدي اللّه عز وجل ، وذكر الوجه لأنه العضو الذي يعرف به الشخص ، أو لأنه يطلق على الشخص كله كما تقدم لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي خلقهما وابتدعهما حَنِيفاً أي مائلا إلى الدين الحق وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ به ، تبرأ من الشرك الذي كان عليه قومه . وَحاجَّهُ قَوْمُهُ أي وقعت منهم المحاججة له في توحيده بما يدل على ما يدعونه من أن ما يشركون به ويعبدونه من الأصنام آلهة فأجاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام بما حكاه اللّه عنه أنه قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ أي في كونه لا شريك له ولا ند له ولا ضد وَقَدْ هَدانِ إلى توحيده وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلاة والجهالة وعدم الهداية . وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ قال هذا لما خوفوه من آهلتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه أي : إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات اللّه لا يضر ولا ينفع ، وإنما يكون الخوف ممن يقدر على النفع والضرر ، والضمير في به يجوز رجوعه إلى اللّه وإلى معبوداتهم المدلول عليها بما في ما تشركون به . إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً أي إلا وقت مشيئة ربي بأن يلحقني شيئا من الضرر بذنب عملته فالأمر إليه وذلك منه لا من معبوداتكم الباطلة التي لا تضر ولا تنفع ، والمعنى على نفي حصول ضرر من معبوداتهم على كل حال ، وإثبات الضرر والنفع للّه سبحانه وصدورهما حسب مشيئته ، والاستثناء على هذا متصل لأنه من جنس الأول والمستثنى منه الزمان كما أشار إلى ذلك في الكشاف ، وقيل منقطع بمعنى لكن وعليه جرى ابن عطية والحوفي وهو أحد قولي أبي البقاء والكواشي ، وإليه نحا السيوطي ، قال الحوفي تقديره لكن مشيئة اللّه إياي بضر أخافها . ثم علل ذلك بقوله وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً يعني أن علمه محيط بكل شيء